الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
196
نفحات الولاية
ثم خاض الإمام عليه السلام في شرح دقيق يهزّ الأعماق في تفاصيل لحظات الموت خلال 12 عبارة صغيرة وعميقة المعنى فقال : « فَكَفَى واعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ ، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ ، وأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ » . نعم ! فقد حملوا على أكتاف الناس ليتجهوا بهم صوب موطنهم الأبدي دون رغبتهم وأوردوهم حفرة القبر دون إرادتهم . ثم كشف عليه السلام عن مصيرهم ببيانه لصفتين فقال : « فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً « 1 » ، وكَأَنَّ الْاخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً » . إشارة إلى أنّ كلّ شيء ينتهي في لحظة فيبلغ بهم البعد عن الدنيا درجة كأنّهم لم يعيشوا فيها ويقتربوا من الآخرة وكأنّهم عاشوا فيها منذ الأزل . ثم قال عليه السلام : « أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ ، وأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ » . أجل ! كانوا يشعرون بالوحشة حين يمرون بتلك القبور الهامدة فيشيحون عنها بوجوههم ، سيما إن كان مرورهم بالليل ، بينما أصبحت الآن وطنهم ولو عادوا اليوم بهذه الحال إلى بيوتهم ومساكنهم لاستوحش منهم الناس وبالعكس سيعيشون هم أيضاً تلك الوحشة - إن كان لهم إدراك وشعور - . من جانب آخر فإنّ مشكلتهم الرئيسيّة أنّهم لم يعمروا دار الآخرة واستفرغوا كلّ طاقاتهم في عمران الدنيا حيث وصف ذلك الأمم عليه السلام في مواصلته لكلامه فقال : « وَاشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا ، وأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا » . والأسوأ من ذلك لا مجال هنا لتلافي ما فرط منهم وهذا ما أكّده الإمام عليه السلام بقوله : « لَا عَنْ قَبِيح يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالا ، وَلَا فِي حَسَن يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً » . فهل لثمار الشجرة إن انفصلت عنها من عودة إليها ومواصلة حياتها ناضجة كانت أم فاسدة ؟ وهل الوليد الذي يخرج من بطن أُمه سواء كان جنيناً كاملًا أم ناقصاً يستطيع العودة إلى رحمها ويواصل نموه ؟ كلا ، نعم هذا هو حال أصحاب الدار
--> ( 1 ) . « عمار » جمع « عامر » من مادة « عمارة » و « عمران » معروفة .